ابن حمدون

193

التذكرة الحمدونية

* ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * * وما توفيقي إلا باللَّه [ 1 ] الحمد للَّه الخالق الباعث ، الرازق الوارث ، الذي قدّر الحياة والموت ، وجعل لهما أجلا لم يخش فيه الفوت ، ونقل خلقه من دار الفناء إلى مقرّ البقاء ، وقرن النعم إذا اطمأنّ إليها المغرور بالبلاء ، مفرّق الألَّاف بعد اجتماع ، ومشتّت كلّ شمل ببين وانصداع ، حكمة منه لا تدرك غايتها ومداها ، ومنافع [ 2 ] في عباده قدّرها وأحصاها ، فالطائع يبلو أخباره ، والعاصي يوقظه ليتقي ناره ، والصابر يعجّل له الراحة ويؤجّل له الثّواب ، والجازع يردّه إلى الصبر كارها غير مثاب ، ونحن مع قصر الأعمار ودنوّها ، في جهاد من تجبّر النفس وعتوّها ، ترى المدة قريبة وهي تقنط [ 3 ] للادّخار ، والمسافة دانية وهي تستبعد الدار ، فكيف بها لو طالت الآجال وامتدّت ، وبلغت الآمال واطمأنت ، كانت حينئذ تقسو فلا تلين ، وتشحّ فلا تستكين ، لا يتعلق بالأطماع صلاحها ، ولا يرجى على حال فلاحها ؛ فسبحان من جعل الخيرة في المكروه وله في كلّ فعل سرّ مكنون ، وبكلّ غائب علم مخزون ، وصلاته على رسوله الذي هو لنا قدوة ، ولكلّ حيّ به في الممات أسوة ، وعلى آله وأصحابه ، وارثي علمه وآدابه .